خيوط الأفكار: كيف يقودنا الدماغ من فكرة إلى أخرى؟

|Dr Mohamed Baidada

د. محمد بيدادة

باحث في علم النفس المعرفي، المغرب

الأفكار لا تظهر منفصلة عن بعضها، بل تتحرك داخل شبكة من العلاقات المكثفة. وما نسميه "خيوط الأفكار" ليس سوى المسار الذي تسلكه هذه العلاقات داخل الدماغ. ولا يمثل هذا التعبير مصطلحا علميا قائما، بل إطارا تفسيريا يجمع نتائج علم النفس المعرفي وعلوم الأعصاب في رؤية واحدة.

مقدمة

هل حدث أن دخلت إلى غرفة لتأخذ شيئا، ثم توقفت فجأة متسائلا: لماذا جئت إلى هنا؟ أو أن سمعت كلمة عابرة، فإذا بها توقظ في ذهنك ذكرى قديمة، تقود إلى شخص لم تره منذ سنوات، ثم إلى موقف مؤلم، ثم إلى قلق بشأن المستقبل؟ وربما كنت على وشك النوم، فإذا بفكرة صغيرة لا تكاد تستحق الانتباه تتحول، في دقائق قليلة، إلى سلسلة طويلة من الأفكار، حتى تجد نفسك بعيدا تماما عن نقطة البداية.

ليست هذه المواقف استثناءات في حياتنا اليومية، بل هي تعبير عن إحدى أكثر الظواهر المعرفية حضورا في عمل الدماغ. فنحن لا نفكر في أفكار معزولة، وإنما في مسارات من الأفكار؛ إذ تقود كل فكرة إلى أخرى عبر شبكة معقدة من الذكريات والمعاني والانفعالات والخبرات السابقة. وما يبدو لنا تدفقا عفويا للأفكار يخضع، في الواقع، لآليات معرفية وعصبية دقيقة لا ندرك معظمها.

ولعل هذا ما يفسر أن الفكرة الواحدة قد تصبح أحيانا بداية لاكتشاف علمي، أو حل مبتكر، أو قرار مصيري، كما قد تكون بداية لاجترار ذهني، أو قلق، أو خوف من المستقبل. فليست الفكرة الأولى هي التي تحدد دائما وجهة التفكير، وإنما المسار الذي تسلكه بعد ظهورها.

في هذا المقال، سنحاول تتبع هذه "الخيوط" التي تنسجها الأفكار داخل الدماغ، انطلاقا من أحدث ما توصلت إليه أبحاث علم النفس المعرفي وعلوم الأعصاب. وسنرى كيف تتشكل، ومن يوجهها، ولماذا يقود خيط منها أحيانا إلى الإبداع، وأحيانا أخرى إلى الاجترار والقلق، وكيف يمكن للإنسان أن يكتسب قدرة أكبر على إعادة توجيه مسار هذه الخيوط؟

كيف تتولّد خيوط الأفكار داخل الدماغ؟

إذا كانت فكرة واحدة قادرة على أن تقود إلى سلسلة طويلة من الأفكار، فإن ذلك لا يعود إلى أن الدماغ يبحث عشوائيا في مخزونه من الذكريات، وإنما إلى الطريقة التي تُنظَّم بها المعرفة داخل الذاكرة طويلة المدى. فخلافا للتصور الشائع، لا تُخزن الأفكار في الذاكرة على هيئة وحدات مستقلة، كما تُحفظ الملفات داخل الحاسوب، بل في صورة تمثلات مترابطة تشكل شبكة واسعة من المعارف والخبرات والانفعالات.

ويقدم علم النفس المعرفي أول مفاتيح فهم هذه الظاهرة من خلال مفهوم الشبكات الدلالية (Réseaux sémantiques)، الذي يفترض أن المفاهيم المخزنة في الذاكرة الدلالية لا توجد في صورة وحدات مستقلة، بل تنتظم داخل شبكة من العلاقات الترابطية، بحيث يؤدي تنشيط أحدها إلى زيادة احتمال تنشيط المفاهيم الأكثر اتصالا. وعندما ينشط مفهوم معين، يمتد هذا النشاط تلقائيا إلى المفاهيم الأكثر ارتباطا به عبر آلية تعرف باسم انتشار التنشيط (Propagation de l'activation)، وهو النموذج الذي صاغه كل من (Collins et Loftus) عام 1975 لتفسير الترابطات الدلالية داخل الذاكرة.

ولتقريب هذه الآلية، يكفي أن يسمع الإنسان كلمة "مطر"، حتى تتداعى إلى ذهنه مفاهيم مثل الشتاء، والسحاب، والبرد، أو ربما ذكريات ترتبط بطفولته أو بمدينة عاش فيها. ولا يحدث هذا الانتقال لأن الدماغ يبحث عمدا عن تلك الذكريات، بل لأن تنشيط مفهوم واحد يؤدي إلى تنشيط المفاهيم الأقرب إليه داخل الشبكة المعرفية.

غير أن هذا النموذج يفسر كيفية تنظيم المعرفة، ولا يفسر وحده كيف تتجسد هذه العملية داخل الدماغ. وهنا تأتي مساهمة علوم الأعصاب الإدراكية، التي بينت أن استحضار فكرة لا يعني استرجاع نسخة محفوظة منها، بل إعادة بناء تمثلها من خلال إعادة تنشيط شبكات عصبية موزعة (Réseaux neuronaux distribués) تشترك في تمثل معناها، وسياقها، وشحنتها الانفعالية، وعلاقاتها بخبرات سابقة (Dehaene, 2014). ولهذا فإن كل عملية تذكّر أو تفكير هي في حقيقتها عملية إعادة بناء (Reconstruction)، وليست مجرد استرجاع آلي لمعلومة مخزنة.

وفي هذا السياق، يؤدي الحصين (Hippocampe)، وهو بنية دماغية محورية في تكوين الذكريات وربط عناصر الخبرة، دورا أساسيا في ترميز الخبرات الجديدة وربط عناصرها قبل دمجها تدريجيا داخل الشبكات القشرية طويلة المدى. وعندما يُعاد تنشيط هذه الشبكات، لا تعود الفكرة وحدها إلى الوعي، بل تستحضر معها جزءا من العلاقات التي تنتمي إليها، وهو ما يفسر ميل الأفكار إلى الامتداد والتشعب بصورة شبه تلقائية (Eustache & Faure, 2021).

كما أن هذه الروابط ليست جميعها بالقوة نفسها؛ فبعضها يزداد رسوخا بفعل التكرار، وبعضها يتعزز بفضل الشحنة الانفعالية، وبعضها يضعف تدريجيا نتيجة قلة الاستعمال. ولهذا قد تقود الكلمة نفسها شخصا إلى ذكريات سعيدة، بينما تفتح عند آخر سلسلة من المخاوف أو الخبرات المؤلمة، لأن لكل فرد شبكة معرفية تشكلت عبر تاريخه الخاص من التعلم والخبرة.

وانطلاقا من ذلك، يمكن النظر إلى "خيط الأفكار" بوصفه مفهوما تفسيريا يصف التجربة الذاتية لتتابع الأفكار داخل الوعي، دون أن يكون مصطلحا علميا متداولا في الأدبيات المتخصصة. أما من الناحية العلمية، فيمثل الأثر الظاهر لحركة التنشيط المستمرة داخل الشبكات المعرفية والعصبية التي ينظم بها الدماغ في معالجة معارفه وخبراته واستدعائها.

وهكذا، لا ينتقل الدماغ بين أفكار منفصلة، بل ينتقل داخل شبكة من العلاقات؛ وما نختبره في وعينا ليس سوى الأثر الظاهر لهذه الحركة المستمرة.

غير أن هذه الشبكات لا تحدد وحدها أيّ خيط سيستمر وأيّ خيط سينقطع، وهو ما يطرح سؤالا جديدا: من الذي يمسك بخيط الأفكار ويوجه مساره؟

من يوجّه خيوط الأفكار؟ دور الوظائف التنفيذية في تنظيم التفكير

إذا كانت الشبكات الدلالية تفسر كيف تتولد خيوط الأفكار داخل الذاكرة، فإنها لا تفسر وحدها لماذا يستمر بعضها، بينما ينقطع بعضها الآخر بعد لحظات قليلة. فكم من فكرة خطرت في أذهاننا ثم اختفت بسرعة، وكم من فكرة أخرى استمرت في النمو حتى استحوذت على جزء كبير من وعينا.

تكشف أبحاث علم النفس المعرفي عن أن إنتاج الأفكار وتنظيمها عمليتان مختلفتان. فالوظائف المعرفية الأساسية، مثل الإدراك والانتباه والذاكرة واللغة، توفر المادة الأولية التي يبنى منها التفكير، أما توجيه هذه المادة وضبطها بما ينسجم مع أهداف الفرد ومتطلبات الموقف، فيقع على عاتق منظومة تعرف بالوظائف التنفيذية. وتمثل هذه الوظائف نظاما إشرافيا عالي المستوى، يرتبط أساسا بمناطق الفص الجبهي، ويضطلع بتنسيق النشاط المعرفي، واختيار الاستجابات الأكثر ملاءمة، والحد من التأثير التلقائي للتداعيات غير المرتبطة بالهدف (Diamond, 2013 ; Houdé, 2023).

وتجمع الأدبيات المعاصرة على أن الوظائف التنفيذية تقوم على ثلاث عمليات رئيسية هي: الذاكرة العاملة، والكف المعرفي، والمرونة المعرفية (Miyake et al., 2000 ; Diamond, 2013).

وتعد الذاكرة العاملة إحدى الركائز الأساسية لهذه المنظومة؛ فهي تمثل الفضاء الذهني المؤقت الذي تبقى فيه المعلومات نشطة أثناء التفكير، بما يسمح بربط الفكرة الحالية بما سبقها، واستشراف ما قد يترتب عليها (Baddeley, 2020).

غير أن استمرار خيوط الأفكار لا يعتمد على الاحتفاظ بالمعلومات وحده، بل يتطلب أيضا القدرة على منع التداعيات التي قد تصرف التفكير عن هدفه. وهنا تتجلى أهمية الكف المعرفي، الذي يسمح بتثبيط الاستجابات التلقائية واستبعاد الأفكار غير الملائمة (Houdé, 2023).

أما المرونة المعرفية، فتمكن الفرد من الانتقال بين أكثر من مسار فكري، وإعادة تنظيم العلاقات بين الأفكار عندما يتغير السياق أو تظهر معطيات جديدة.

ويرتبط أداء هذه العمليات ارتباطا وثيقا بالضبط التنفيذي للانتباه (Contrôle attentionnel). ولذلك شبه "جان-فيليب لاشو" الانتباه بضوءٍ كشافٍ يسلَّط على جزء من المشهد ويترك بقية العناصر في الظل؛ فما يحظى بالتركيز يزداد نشاطه، بينما تتراجع العناصر الأخرى تدريجيا (Lachaux, 2011).

لماذا لا تتوقف خيوط الأفكار؟ الشبكات الدماغية في استمرار التفكير

إذا كانت الوظائف التنفيذية تسهم في توجيه خيوط الأفكار، فإن سؤالا آخر يفرض نفسه: لماذا تستمر هذه الخيوط في الامتداد حتى عندما لا نقرأ، ولا نحل مشكلة، ولا ننشغل بأي نشاط ذهني مقصود؟

تكشف علوم الأعصاب أن الدماغ لا يدخل في حالة من السكون عندما يتوقف عن أداء المهام الخارجية، بل ينتقل إلى نمط آخر من النشاط الداخلي. ففي دراسة رائدة، بيّن "ماركوس ريكل" وزملاؤه أن مجموعة من المناطق الدماغية تزداد نشاطا عندما لا يكون الفرد منخرطا في مهمة محددة، وأطلقوا على هذا النشاط اسم شبكة الوضع الافتراضي (Réseau du mode par défaut)، (Raichle et al., 2001).

ولا يعني هذا "الوضع الافتراضي" أن الدماغ يستريح، بل على العكس، فهو ينشغل بإعادة تنظيم الخبرات، واسترجاع الذكريات، والتفكير في الذات، ومحاكاة المواقف المستقبلية. ومن ثم، فإن الشرود الذهني وأحلام اليقظة ليسا تعبيرا عن توقف التفكير، وإنما عن انتقاله من معالجة العالم الخارجي إلى معالجة العالم الداخلي.

غير أن استمرار خيوط الأفكار لا يعتمد على شبكة الوضع الافتراضي وحدها. فقد بينت الدراسات الحديثة أن التفكير الإنساني يقوم على تفاعل مستمر بين ثلاث شبكات دماغية كبرى: شبكة الوضع الافتراضي، التي تدعم التفكير الذاتي واسترجاع الخبرات؛ وشبكة التحكم التنفيذي (Réseau de contrôle exécutif) التي تنشط عندما يتطلب الموقف تخطيطا أو حلا للمشكلات؛ وشبكة البروز أو الأهمية (Réseau de saillance) التي تتولى رصد المثيرات الأكثر أهمية (Menon, 2011).

غير أن الآلية نفسها قد تصبح مصدرا للمعاناة إذا اختل التوازن بين هذه الشبكات. فعندما يهيمن النشاط المرتبط بالتفكير الذاتي، ولا تتمكن شبكات التحكم التنفيذي من إعادة توجيه مسار التفكير، قد تنغلق خيط الأفكار داخل دوائر من الاجترار والقلق والتفكير الكارثي.

إلى أين تقودنا خيوط الأفكار؟ بين الإبداع والاجترار الذهني

بعد أن تبين لنا كيف تتولد خيوط الأفكار داخل الشبكات الدلالية، وكيف تنظمها الوظائف التنفيذية، وكيف تدعمها الشبكات الدماغية الكبرى، يبقى سؤال جوهري: إلى أين يمكن أن تقودنا هذه الخيوط؟

عندما تتكامل مرونة الشبكات الدلالية مع كفاءة الوظائف التنفيذية والتوازن بين الشبكات الدماغية، يصبح خيط الأفكار أكثر قدرة على الانتقال بين خبرات أو مفاهيم تبدو متباعدة ظاهريا. ويسمح هذا الانفتاح بإعادة تنظيم المعرفة في صيغ جديدة، واكتشاف علاقات لم تكن ظاهرة من قبل، وتوليد بدائل متعددة للمشكلة نفسها (Beaty et al., 2016).

وعلى النقيض من ذلك، قد يفقد خيط الأفكار مرونته، فتنغلق داخل دائرة محدودة من التداعيات، يعيد فيها الفرد استحضار الفكرة نفسها أو الحدث نفسه مرات متكررة، دون أن يقترب من تفسير جديد أو حل عملي. وهذه هي السمة الأساسية لما يعرف بالاجترار الذهني (Rumination)، حيث يتحول التفكير من أداة لفهم الخبرة إلى نشاط دائري يستهلك الموارد المعرفية دون أن ينتج معرفة جديدة (Nolen-Hoeksema et al., 2008).

ويظهر الأمر نفسه في التفكير الكارثي (Pensée catastrophique)، حيث ينتقل خيط الأفكار بسرعة من احتمال محدود إلى سلسلة من السيناريوهات شديدة السلبية.

ومن ثم، فإن الفرق بين الإبداع والاجترار لا يكمن في كثرة الأفكار أو قلتها، وإنما في الكيفية التي يُنظم بها خيط الأفكار أثناء انتقاله من فكرة إلى أخرى.

هل يمكن تغيير مسار خيوط الأفكار؟ اللدونة العصبية وإمكان تغيير مسار التفكير

إذا كانت الوجهة التي يسلكها خيط الأفكار لا تتحدد بالفكرة الأولى، وإنما بالكيفية التي تنتقل بها الأفكار بعضها إلى بعض، فإن السؤال الأخير الذي يفرض نفسه هو: هل يستطيع الإنسان أن يتدخل لإعادة توجيه هذا المسار؟

يستند هذا التصور إلى إحدى أهم خصائص الدماغ، وهي اللدونة العصبية (Plasticité cérébrale)، أي قدرته المستمرة على إعادة تنظيم شبكاته العصبية استجابة للتعلم والخبرة والتدريب (Dehaene, 2018).

وتكتسي هذه الخاصية أهمية خاصة عند الحديث عن خيوط الأفكار. فالمسارات التي تبدو تلقائية ليست ثابتة أو موروثة بصورة نهائية، بل هي غالبا حصيلة تاريخ طويل من التعلم والتكرار. وفي المقابل، فإن بناء مسارات معرفية جديدة، من خلال الخبرة والتدريب، يسمح تدريجيا بإضعاف المسارات الأقل تكيفا وتعزيز بدائل أكثر ملاءمة.

ولهذا السبب، لا تركز المقاربات النفسية الحديثة على محاربة الأفكار في ذاتها، بل على تعديل الكيفية التي يرتبط بها الفرد بأفكاره. فالعلاج المعرفي السلوكي (Thérapie cognitivo-comportementale – TCC) يساعد على كشف الانتقالات التلقائية بين الأفكار، واختبار مدى واقعيتها، واستبدالها بمسارات أكثر تكيفا. أما ممارسات اليقظة الذهنية (Pleine conscience)، فتنمي القدرة على ملاحظة الفكرة لحظة ظهورها، دون الانجراف مباشرة وراء السلسلة التي قد تقود إليها (Kabat-Zinn, 2014 ; Tang, Hölzel & Posner, 2015).

وهكذا، فإن أهم ما تكشفه علوم الأعصاب المعاصرة ليس أن الإنسان يستطيع اختيار كل فكرة تخطر بباله، بل أنه يستطيع، مع التعلم والتدريب، أن يؤثر في الوجهة التي ستسلكها تلك الفكرة بعد ظهورها.

خاتمة

منذ بداية هذا المقال، تتبعنا خيطا واحدا بدا بسيطا في ظاهره: كيف تقود فكرة واحدة إلى أخرى؟ غير أن هذا السؤال البسيط قادنا، في الحقيقة، إلى إعادة النظر في الكيفية التي يعمل بها التفكير الإنساني نفسه.

ولعل هذا ما يفسر أن علم النفس وعلوم الأعصاب انشغلا، لعقود طويلة، بدراسة الذاكرة، والانتباه، والإدراك، والوظائف التنفيذية، والإبداع، واتخاذ القرار، والانفعال، بوصفها موضوعات متخصصة. غير أن ما تكشفه الأبحاث المعاصرة هو أن هذه المكونات لا تعمل في عزلة، بل تتكامل باستمرار داخل دينامية واحدة تجعل كل فكرة نقطة انطلاق لأخرى، في سلسلة متواصلة تشكل نسيج حياتنا الذهنية.

كما يبين هذا المنظور أن القيمة المعرفية للفكرة لا تكمن في ظهورها وحده، وإنما في المسار الذي تسلكه بعد ذلك. ولهذا، فإن الآلية المعرفية والعصبية نفسها قد تصبح منبعا للإبداع والاكتشاف عندما تظل خيوط التفكير مرنة ومنفتحة، وقد تتحول، في ظروف أخرى، إلى دوائر من الاجترار والقلق والتفكير الكارثي عندما تنغلق هذه الخيوط على نفسها.

تقودنا هذه النتيجة إلى إعادة النظر في علاقتنا بأفكارنا. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في منع الأفكار من الظهور، ولا في السعي إلى التحكم الكامل فيها، وإنما في تنمية القدرة على ملاحظة المسارات التي تسلكها، وفهم الكيفية التي تتشكل بها، وإعادة توجيهها عندما تنحرف نحو اتجاهات لا تخدم تكيفنا أو رفاهنا النفسي.

وربما يكون الدرس الأهم الذي تقدمه لنا علوم الأعصاب المعاصرة هو أن الدماغ لا يكف عن نسج خيوط من الأفكار، وأن حياتنا النفسية تتشكل، إلى حد بعيد، من هذه الخيوط الخفية التي لا نراها. فلعل مفتاح فهم التفكير يكمن، قبل كل شيء، في فهم المسار الذي تسلكه أفكارنا. أما السؤال الذي يستحق أن يغادر به القارئ هذا المقال ليس: ما الفكرة التي تدور في ذهني الآن؟ بل: إلى أين يمكن أن يقودني خيط هذه الفكرة؟

المراجع

Baddeley, A. D. (2020). Working Memory: Theories, Models, and Controversies. Annual Review of Psychology, 71, 1-29.

Beaty, R. E., Benedek, M., Kaufman, S. B., & Silvia, P. J. (2016). Creative Cognition and Brain Network Dynamics. Trends in Cognitive Sciences, 20(2), 87-95.

Chevalier, N. (2022). Les fonctions exécutives. Paris : Presses Universitaires de France.

Collins, A. M., & Loftus, E. F. (1975). A Spreading-Activation Theory of Semantic Processing. Psychological Review, 82(6), 407-428.

Dehaene, S. (2014). Le Code de la conscience. Paris : Odile Jacob.

Dehaene, S. (2018). Apprendre ! Les talents du cerveau, le défi des machines. Paris : Odile Jacob.

Eustache, F., & Faure, S. (Dir.). (2021). Manuel de neuropsychologie (3e éd.). Paris : Dunod.

Hamilton, J. P., Farmer, M., Fogelman, P., & Gotlib, I. H. (2015). Depressive Rumination, the Default-Mode Network, and the Dark Matter of Clinical Neuroscience. Biological Psychiatry, 78(4), 224-230.

Houdé, O. (2023). Apprendre à résister. Pour vaincre les biais cognitifs. Paris : Le Pommier.

Kabat-Zinn, J. (2014). Au cœur de la tourmente. La pleine conscience. Bruxelles : De Boeck Supérieur.

Lachaux, J.-P. (2011). Le cerveau attentif. Contrôle, maîtrise et lâcher-prise. Paris : Odile Jacob.

Lieury, A. (2020). Psychologie cognitive. Paris : Dunod.

Menon, V. (2011). Large-Scale Brain Networks and Psychopathology: A Unifying Triple Network Model. Trends in Cognitive Sciences, 15(10), 483-506.

Miyake, A., Friedman, N. P., Emerson, M. J., Witzki, A. H., Howerter, A., & Wager, T. D. (2000). The Unity and Diversity of Executive Functions and Their Contributions to Complex "Frontal Lobe" Tasks: A Latent Variable Analysis. Cognitive Psychology, 41(1), 49-100.

Nolen-Hoeksema, S., Wisco, B. E., & Lyubomirsky, S. (2008). Rethinking Rumination. Perspectives on Psychological Science, 3(5), 400-424.

Raichle, M. E., MacLeod, A. M., Snyder, A. Z., Powers, W. J., Gusnard, D. A., & Shulman, G. L. (2001). A Default Mode of Brain Function. Proceedings of the National Academy of Sciences, 98(2), 676-682.

Tang, Y.-Y., Hölzel, B. K., & Posner, M. I. (2015). The Neuroscience of Mindfulness Meditation. Nature Reviews Neuroscience, 16(4), 213-225.

من نفس المؤلف

«قبل أن تقع — الذكاء الوقائي»: 36 مقولة لتنمية اليقظة الاستشرافية.

اقتن الكتاب

« تغذية العقل هي إعداد للمستقبل. »

— بايدادا إديشن

اكتشف الكتاب