اضطراب الاكتناز القهري

|Dr Mohamed Baidada

الاكتناز القهري: تحليل معرفي لآليات التعلق بالأشياء وتنظيم القلق

د. محمد بيدادة

باحث في علم النفس المعرفي، المغرب

مارس 2026

دالة الانطلاق

في شقة صغيرة يعيش السيد (ق) وسط عالم من الأشياء التي تراكمت ببطء، كما تتراكم طبقات الغبار على ذاكرة قديمة. أكوام من الجرائد الصفراء، علب فارغة، فواتير بَهُتَ حبرها، ملابس لم تُلبس منذ زمن بعيد، وصناديق مغلقة خَفَّ يقينه بما تخبئه في أعماقها. ضاقت الممرات حتى غدا العبور بينها أشبه بالتسلل في ممرات ذاكرة مزدحمة، حيث لكل شيء حكاية خافتة، ولكل زاوية أثر من زمن مضى. هنا لا يقيم الصمت وحده؛ بل تقيم أيضا آثار أيام بعيدة لم تغادر المكان تماما.

حين تقع يد السيد (ق) على غرض قديم يتوقف لحظة، كأن الزمن نفسه يتريث معه. يقلّبه بين يديه ببطء، يتفحصه كما لو كان ينصت لما يختزنه من صدى خفي لحياته. فكرة التخلص منه توقظ في داخله انقباضا غامضا، إحساسا مبهما بالخسارة، كما لو أن التخلي عن هذا الشيء البسيط قد يفتح فجوة جارحة في نسيج أيامه. فالأشياء هنا لم تعد مجرد أشياء؛ إنها شواهد صامتة على مرور الزمن، وقطع متناثرة من سيرة طويلة يخشى أن تتفكك إن بدأ بإزاحتها من أماكنها.

وهكذا تبقى الأشياء حيث هي، تتراكم في صمت، طبقةٌ فوق طبقة، حتى صار البيت نفسه أشبه بأرشيف كثيف للذكريات والاحتمالات المؤجلة؛ عالما مكتظا بأشياء بقيت لأنها بدت، في لحظة ما، ضرورية، أو لأن فكرةَ فقدانها كانت أثقل على النفس من احتمال الاحتفاظ بها.

مقدمة

في علم الاضطرابات السلوكية والعلاجات المعرفية، يسمى ما يعيشه السيد (ق) باضطراب الاكتناز القهري (Trouble d’Accumulation Compulsive /TAC). فسلوك الاحتفاظ المفرط بالأشياء لم يعد ظاهرة معزولة أو مجرد سمة شخصية مرتبطة بحب التملك، بل أصبح موضوعا متزايد الاهتمام في الأبحاث النفسية المعاصرة، نظرا لما يترتب عنه من آثار نفسية واجتماعية ووظيفية واضحة. فالأفراد الذين يعانون من الاكتناز القهري يجدون صعوبة ملحوظة في التخلص من ممتلكاتهم، حتى تلك التي تبدو عديمة القيمة أو غير ضرورية على الإطلاق، مما يؤدي تدريجيا إلى تراكم الأشياء في فضاء العيش وتعطيل وظائفه الأساسية. ولا يقتصر تأثير هذا السلوك على المجال المادي فقط، بل يمتد ليشمل جوانب متعددة من الحياة النفسية والاجتماعية، مثل ارتفاع مستويات القلق، وتدهور العلاقات الأسرية، وتراجع جودة الحياة اليومية.

وقد أدى تزايد الاهتمام العلمي بهذه الظاهرة إلى إدراج اضطراب الاكتناز القهري ضمن التصنيفات التشخيصية الحديثة للاضطرابات النفسية، حيث اعتُبر اضطرابا مستقلا ضمن ما يُعرف باضطرابات الطيف الوسواسي القهري. ويعكس هذا التصنيف تحوّلا في فهم الظاهرة؛ إذ لم يعد الاكتناز يُنظر إليه بوصفه مجرد عرَض ثانوي لاضطراب الوساوس القهرية، بل باعتباره اضطرابا قائما بذاته، له خصائصه المعرفية والانفعالية والسلوكية الخاصة.

ومن بين المقاربات النظرية التي سعت إلى تفسير هذا السلوك، تبرز المقاربة المعرفية بوصفها إطارا تفسيريا يركز على دور العمليات الذهنية في نشوء الاكتناز واستمراره. فوفق هذا المنظور، لا يرتبط التعلق المفرط بالأشياء بقيمتها الموضوعية، بقدر ما يرتبط بالمعاني والدلالات التي يمنحها الفرد لها داخل منظومته المعرفية. وتلعب في هذا السياق مجموعة من العمليات المعرفية دورا حاسما، مثل صعوبة اتخاذ القرار، والخوف من فقدان المعلومات أو الذكريات، إضافة إلى المخططات المعرفية التي تربط الأشياء بالهوية الشخصية أو بالأمان النفسي.

انطلاقا من ذلك، يطرح هذا المقال إشكالا واسعا يمكن التعبير عنه بالأسئلة الأساسية التالية: لماذا يميل بعض الأفراد إلى الاحتفاظ المفرط بالأشياء، حتى تلك التي فقدت قيمتها أو لم تعد صالحة للاستعمال؟ ولماذا يعجز هؤلاء عن اتخاذ قرار التخلي عن هذه الأشياء رغم ما يسببه ذلك من اضطراب في حياتهم اليومية؟ وما هي العوامل والعمليات المعرفية الكامنة وراء هذا السلوك الاكتنازي؟

ولتقريب الإجابة عن هذه الأسئلة، يهدف المقال إلى تحليل الآليات المعرفية الكامنة وراء سلوك الاكتناز، مع التركيز على دور الاعتقادات المعرفية، وصعوبات التنظيم المعرفي، ووظيفة الأشياء في تنظيم القلق والانفعال. كما يسعى إلى إبراز الكيفية التي تتفاعل بها هذه العمليات لتشكل دائرة معرفية - انفعالية تعزز التعلق بالأشياء وتعيق عملية التخلص منها.

وتأسيسا على ذلك، سيتم تناول الموضوع، بعد الوقوف على الدلالة العلمية التشخيصية للظاهرة، من خلال أريعة محاور رئيسة:

الأسس المعرفية لسلوك الاكتناز؛

المخططات المعرفية والتنظيم الانفعالي؛

الاكتناز القهري في ضوء النماذج المعرفية المعاصرة؛

الدلالات العلاجية في ضوء العلاج المعرفي السلوكي.

1. الاكتناز القهري: الإطار المفاهيمي والسريري

يشير الاكتناز القهري، الذي يُعرف في الأدبيات الفرنسية بـ (Trouble d’accumulation compulsive)، أو (Thésaurisation compulsive)، وفي الأدبيات الأنجلوسكسونية بـ (Hoarding Disorder)، إلى اضطراب نفسي يتميز بصعوبة مستمرة في التخلص من الممتلكات أو التخلي عنها، بغضّ النظر عن قيمتها الفعلية، نتيجة شعور قوي بالحاجة إلى الاحتفاظ بها وما يصاحب ذلك من ضيق نفسي عند التفكير في التخلص منها. ويؤدي هذا السلوك تدريجيا إلى تراكم الأشياء في فضاءات العيش بما يعيق استعمالها الطبيعي ويؤثر في الأداء اليومي للفرد. وقد أُدرج هذا الاضطراب بشكل مستقل في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، حيث يُعرَّف بأنه: «صعوبة مستمرة في التخلص من الممتلكات بسبب الحاجة المتصورة للاحتفاظ بها وما يرتبط بذلك من ضيق عند التخلص منها، مما يؤدي إلى تراكم الأشياء وتعطيل استعمال فضاءات العيش" (DSM-5, 2015).

ويشير هذا التعريف إلى أن جوهر المشكلة لا يكمن في امتلاك الأشياء في حد ذاته، بل في العجز المعرفي والانفعالي عن اتخاذ قرار التخلي عنها. وفي هذا السياق، تُظهر الدراسات أن الاكتناز يرتبط بعدد من العمليات المعرفية الخاصة، مثل صعوبة اتخاذ القرار، وضعف التنظيم المعرفي، والاعتقادات المبالغ فيها حول أهمية الأشياء أو قيمتها المستقبلية (Frost & Steketee, 2014). كما يميل الأفراد الذين يعانون من هذا الاضطراب إلى إضفاء معانٍ شخصية قوية على ممتلكاتهم، بحيث تتحول هذه الأخيرة إلى امتدادات رمزية للذات أو للذاكرة الشخصية (Steketee & Frost, 2007).

وتتجلى هذه الظاهرة من خلال مجموعة مترابطة من الخصائص المعرفية والسلوكية التي تتفاعل فيما بينها لتشكّل ما يُعرف بـالدائرة المعرفية للاكتناز (Cercle cognitif de la thésaurisation). ففي هذه الدائرة يلعب الارتباط العاطفي بالأشياء دورا محوريا، إذ ترتبط المقتنيات لدى الفرد بمعانٍ شخصية أو ذكريات ذاتية، مما يجعل التخلي عنها تجربة مثيرة للقلق. وتتغذى هذه العلاقة من خلال جملة من الاعتقادات المعرفية غير التكيفية، مثل الاعتقاد بقيمة مستقبلية محتملة للأشياء، أو الخوف من ارتكاب خطأ عند التخلص منها، أو القلق من فقدان شيء قد يصبح ضروريا لاحقا. كما ترتبط هذه الصعوبات بضعف مهارات التصنيف والتنظيم، الأمر الذي يجعل عملية فرز الأشياء واتخاذ القرار بشأنها أكثر تعقيدا (Tolin, Frost & Steketee, 2010 ; Frost & Hartl, 1996).

ولا يقتصر أثر الاكتناز القهري على تراكم الممتلكات فحسب، بل يمتد إلى مختلف جوانب الحياة النفسية والاجتماعية للفرد. فمع مرور الوقت قد يؤدي تراكم الأشياء إلى تعطيل الوظيفة الطبيعية للفضاء المعيشي، بحيث تصبح بعض أجزاء المنزل غير قابلة للاستعمال، وهو ما ينعكس سلبا على تنظيم الحياة اليومية (Frost & Steketee, 2014). كما يميل العديد من الأفراد المصابين بالاكتناز إلى تجنب استقبال الآخرين في منازلهم بسبب الشعور بالحرج من حالة الفوضى، الأمر الذي قد يقود تدريجيا إلى العزلة الاجتماعية. وإلى جانب ذلك، يرتبط هذا الاضطراب غالبا بدرجات مرتفعة من القلق والضغط الانفعالي وصعوبات تنظيم الانفعالات (Tolin et al., 2010).

2. الأسس المعرفية لسلوك الاكتناز

تفسر المقاربة المعرفية سلوك الاكتناز القهري بوصفه نتاجا لمنظومة من الاعتقادات المعرفية والتحيزات الإدراكية والاختلالات في معالجة المعلومات، تجعل عملية التخلص من الأشياء تجربة نفسية مهدِّدة للفرد. وقد بيّن نموذج "فروست" و"هارتل" أن الاكتناز يرتبط بعدد من العمليات المعرفية الرئيسة، من بينها الاعتقادات المرتبطة بالممتلكات، وصعوبة اتخاذ القرار، والارتباط الانفعالي بالأشياء، إضافة إلى بعض الخصائص المتعلقة بالانتباه والذاكرة ((Frost & Hartl, 1996. ومن هذا المنظور لا يعود الاكتناز مجرد ميل إلى جمع الأشياء، بل نتيجة لطريقة خاصة في إدراك الأشياء وتقييمها وتنظيم العلاقة بها.

2.1 الاعتقادات المعرفية المرتبطة بامتلاك الأشياء

تلعب الاعتقادات المعرفية دورا مركزيا في تفسير سلوك الاكتناز، إذ يميل الأفراد الذين يعانون من هذا الاضطراب إلى إضفاء معانٍ معرفية وانفعالية مبالغ فيها على الأشياء التي يمتلكونها، بحيث تبدو عملية التخلص منها وكأنها فقدان لقيمة أو معنى شخصي (Steketee & Frost, 2007)؛ وغالبا ما تتمحور هذه الاعتقادات حول ثلاثة أنماط رئيسة:

الاعتقاد بالقيمة المستقبلية للأشياء: حيث يبالغ الفرد في تقدير احتمال حاجته إلى الأشياء لاحقا، حتى عندما تكون عديمة الاستعمال في الحاضر، وهو ما يؤدي إلى تضخيم قيمتها المحتملة وتجنب التخلص منها خوفا من الشعور بالندم مستقبلا (Tolin, Frost & Steketee, 2010).

الربط بين الأشياء والهوية الشخصية: إذ لا تُدرك الممتلكات بوصفها أدوات مادية فقط، بل باعتبارها امتدادات رمزية للذات أو حوامل للذكريات والتجارب الشخصية، مما يجعل التخلي عنها يبدو وكأنه فقدان لجزء من الهوية.

الخوف من الخطأ في قرار التخلص: حيث يواجه الفرد صعوبة في اتخاذ قرار التخلي عن الأشياء بسبب القلق من ارتكاب خطأ لا يمكن تداركه لاحقا، وهو ما يرتبط بما يعرف بعدم تحمل عدم اليقين (Frost & Steketee, 2014).

2.2 التحيزات المعرفية

إلى جانب الاعتقادات المعرفية، يسهم عدد من التحيزات الإدراكية في الحفاظ على سلوك الاكتناز وتعزيزه. ومن أبرز هذه التحيزات:

تضخيم الخسارة (Aversion à la perte): حيث يُدرك التخلص من الأشياء بوصفه خسارة نفسية أكبر من المكاسب المحتملة المرتبطة بالتخلص من الفوضى، مما يجعل قرار التخلي عنها مصدرا للضيق النفسي (Tolin et al., 2010).

التفكير الكارثي (Catastrophisation): إذ يميل الفرد إلى تضخيم العواقب المحتملة للتخلص من الأشياء، متخيلا سيناريوهات سلبية مبالغ فيها، مثل الندم الشديد أو الوقوع في موقف صعب بسبب عدم الاحتفاظ بها ((Beck, 2011.

المبالغة في تقدير الحاجة المستقبلية: حيث يعتقد المكتنز أنه قد يحتاج إلى معظم الأشياء التي يمتلكها في المستقبل، حتى وإن كانت احتمالات ذلك ضعيفة، وهو ما يدفعه إلى الاحتفاظ بها بدافع الاحتياط (Frost & Hartl, 1996).

2.3 دور الانتباه والذاكرة

تشير الأبحاث في علم النفس المعرفي إلى أن الاكتناز يرتبط أيضا ببعض الخصائص المتعلقة بطريقة معالجة المعلومات، خاصة في ما يتعلق بالانتباه والذاكرة. فالمكتنزون يميلون إلى التركيز المفرط على التفاصيل المرتبطة بالأشياء، مثل مصدرها أو تاريخ اقتنائها أو الذكريات المرتبطة بها، وهو ما يعزز قيمتها الشخصية ويصعّب عملية التخلي عنها (Steketee & Frost, 2007).

كما يظهر لديهم ضعف في الثقة بذاكرتهم أكثر من كونه ضعفا فعليا فيها، مما يدفعهم إلى الاحتفاظ بالأشياء باعتبارها وسيلة خارجية لحفظ المعلومات أو الذكريات. وبهذا المعنى تتحول الأشياء إلى ما يشبه دعائم خارجية للذاكرة، وهو ما يعزز الميل إلى الاحتفاظ بها (Tolin et al., 2010).

3. المخططات المعرفية والتنظيم الانفعالي

لا يقتصر تفسير سلوك الاكتناز القهري على وجود اعتقادات معرفية متعلقة بالأشياء أو تحيزات إدراكية في تقدير قيمتها، بل يرتبط أيضا ببنية أعمق تتمثل في المخططات المعرفية الأساسية التي ينظم الفرد من خلالها خبرته الانفعالية وعلاقته بالعالم. فالمخططات المعرفية، في منظور علم النفس المعرفي، تمثل أنماطا مستقرة من التمثلات الذهنية التي توجه تفسير الفرد للأحداث وتحدد استجاباته الانفعالية والسلوكية ((Beck, 2011. وفي حالة الاكتناز القهري، تسهم هذه المخططات في تحويل الأشياء من مجرد ممتلكات مادية إلى وسائط نفسية لتنظيم القلق والانفعال، بحيث يمكن فهم سلوك الاحتفاظ المفرط بالأشياء بوصفه محاولة غير تكيفية لإدارة مشاعر عدم الأمان والتهديد الداخلي.

3.1 المخططات المرتبطة بالأمان والسيطرة

تشير الأدبيات المعرفية إلى أن العديد من الأفراد الذين يعانون من الاكتناز القهري يحملون مخططات أساسية تتعلق بالشعور بعدم الأمان أو بفقدان السيطرة على البيئة المحيطة. وفي هذا السياق تتحول الأشياء إلى عناصر تمنح الفرد شعورا رمزيا بالاستقرار والسيطرة. فالممتلكات لا تُدرك بوصفها أدوات مادية فحسب، بل باعتبارها مصادر للأمان النفسي، إذ يعتقد الفرد أن الاحتفاظ بها قد يساعده في مواجهة مواقف مستقبلية غير متوقعة. وقد بينت بعض الدراسات أن المكتنزين يميلون إلى ربط الأشياء بمشاعر الحماية والاستقرار، بحيث يصبح فقدانها أو التخلص منها مصدرا محتملا للتهديد الداخلي (Steketee & Frost, 2007). ومن هذا المنظور يمكن فهم الاحتفاظ المفرط بالأشياء بوصفه محاولة لتعويض شعور داخلي بعدم الاستقرار أو ضعف القدرة على التنبؤ بالمستقبل.

3.2 القلق وتجنب فقدان السيطرة

يرتبط الاكتناز أيضا بمستويات مرتفعة من القلق المرتبط بعملية اتخاذ القرار، أو بفكرة فقدان شيء قد تكون له قيمة مستقبلية. وفي هذا السياق يصبح الاحتفاظ بالأشياء وسيلة لتجنب هذا القلق. فمن منظور العلاج المعرفي السلوكي، يمكن تفسير الاكتناز باعتباره شكلا من استراتيجيات التجنب الانفعالي؛ إذ تنشط عند مواجهة قرار التخلص من الأشياء أفكار تهديدية تتعلق بالندم أو فقدان شيء مهم، مما يؤدي إلى ارتفاع مستوى القلق. ولتخفيف هذا التوتر يلجأ الفرد إلى الاحتفاظ بالشيء بدلا من التخلص منه، وهو ما يؤدي إلى انخفاض فوري في القلق ويعزز السلوك عبر آلية التعزيز السلبي، بحيث يتكرر هذا النمط مع مرور الوقت ويصبح الاحتفاظ بالأشياء وسيلة معتادة لتنظيم الانفعال (Tolin, Frost & Steketee, 2010).

3.3 صعوبة اتخاذ القرار والعجز التنفيذي

إلى جانب العوامل المعرفية والانفعالية، تشير الدراسات إلى أن الاكتناز القهري يرتبط أيضا ببعض الصعوبات المرتبطة بالوظائف التنفيذية، خاصة تلك المتعلقة باتخاذ القرار والتنظيم المعرفي. فالأفراد الذين يعانون من هذا الاضطراب يواجهون صعوبة في تقييم أهمية الأشياء وترتيب أولوياتها، كما يجدون صعوبة في حسم المفاضلة بين الاحتفاظ بالشيء أو التخلص منه. وترتبط هذه الصعوبات بضعف مهارات التصنيف والتنظيم، مما يجعل عملية فرز الممتلكات أكثر تعقيدا مقارنة بالأفراد الآخرين (Frost & Hartl, 1996). ونتيجة لذلك قد ينخرط الفرد في تحليل مفرط للخيارات الممكنة، وهو ما يؤدي إلى ما يشبه شلل القرار ويجعل خيار الاحتفاظ بالأشياء يبدو أقل كلفة نفسية من قرار التخلص منها.

وقد أشارت بعض الدراسات في علم النفس العصبي إلى وجود نشاط غير نمطي في المناطق الدماغية المرتبطة باتخاذ القرار والتنظيم التنفيذي، خاصة في القشرة الجبهية الأمامية لدى الأفراد الذين يعانون من الاكتناز (Tolin et al., 2012).

4. الاكتناز القهري في ضوء النماذج المعرفية المعاصرة

تؤكد النماذج المعرفية المعاصرة أن سلوك الاكتناز القهري لا يمكن تفسيره من خلال عامل واحد معزول، بل ينتج عن تفاعل معقد بين العمليات المعرفية والانفعالية والسلوكية. وفي هذا الإطار يُنظر إلى الاكتناز باعتباره نتاج منظومة معرفية–انفعالية تتداخل فيها الاعتقادات المرتبطة بالأشياء مع صعوبات التنظيم المعرفي والضبط الانفعالي ضمن حلقة دينامية تعزز استمرار السلوك. وقد طوّر عدد من الباحثين نموذجا معرفيا يوضح كيف تتفاعل الاعتقادات المرتبطة بالممتلكات، وصعوبات اتخاذ القرار، والارتباط الانفعالي بالأشياء، مع بعض الاختلالات في الوظائف التنفيذية لتنتج نمطا سلوكيا يتمثل في الاحتفاظ المفرط بالأشياء (Frost & Hartl, 1996 ; Steketee & Frost, 2007).

4.1 النموذج المعرفي للاكتناز

ينطلق النموذج المعرفي من الفرضية الأساسية للمقاربات المعرفية السلوكية التي ترى أن السلوك الإنساني يتحدد من خلال التفاعل بين الأفكار والانفعالات والسلوك. ووفق هذا المنظور لا ينشأ سلوك الاكتناز نتيجة القيمة الموضوعية للأشياء، بل نتيجة التفسيرات المعرفية التي يمنحها الفرد لها. فالأفراد الذين يعانون من الاكتناز يميلون إلى تطوير معتقدات خاصة حول ممتلكاتهم، مثل الاعتقاد بقيمتها المستقبلية أو ارتباطها بالهوية الشخصية أو بدورها في حفظ الذكريات. وتثير هذه التفسيرات استجابات انفعالية قوية، خاصة القلق المرتبط بفكرة فقدان الشيء أو التخلص منه. وعندما يواجه الفرد قرارا يتعلق بالتخلي عن أحد الممتلكات، تنشط هذه الأفكار التهديدية، مما يؤدي إلى ارتفاع مستوى القلق، فيصبح الاحتفاظ بالشيء استجابة سلوكية تهدف إلى تجنب هذا التوتر الانفعالي. ومع تكرار هذه العملية يتعزز السلوك ويترسخ بوصفه الاستراتيجية الأساسية لتجنب المشاعر غير المريحة (Tolin, Frost & Steketee, 2010).

4.2 دور الوظائف التنفيذية

تشير الأبحاث في علم النفس المعرفي وعلم النفس العصبي إلى أن الاكتناز القهري يرتبط أيضا بصعوبات في بعض مكونات الوظائف التنفيذية، وهي العمليات المعرفية العليا المسؤولة عن التنظيم والتخطيط واتخاذ القرار. وتظهر هذه الصعوبات بشكل خاص في مهارات تصنيف الأشياء وتحديد أولويات الاحتفاظ بها واتخاذ قرار نهائي بشأن التخلص منها. ونتيجة لذلك تتحول عملية فرز الممتلكات وتنظيمها إلى مهمة معرفية مرهقة، مما يدفع الفرد إلى تجنب القرار وتأجيله عبر الاحتفاظ بالأشياء. كما يرتبط هذا النمط بضعف القدرة على وضع معايير واضحة للتصنيف والتنظيم، إذ يميل المكتنزون إلى اعتبار معظم الأشياء ذات قيمة محتملة، الأمر الذي يعقّد عملية اتخاذ القرار (Frost & Hartl, 1996). وقد أشارت بعض الدراسات العصبية إلى وجود نشاط غير نمطي في المناطق الدماغية المرتبطة باتخاذ القرار والتنظيم التنفيذي، خاصة في القشرة الجبهية الأمامية لدى الأفراد الذين يعانون من اضطراب الاكتناز (Tolin et al., 2012).

4.3 الحلقة المعرفية المحافظة على الاكتناز

من أهم الإسهامات التي قدمتها المقاربة المعرفية في فهم الاكتناز تفسيرها للكيفية التي يستمر بها هذا السلوك عبر ما يمكن تسميته بالحلقة المعرفية المحافظة على الاكتناز. تبدأ هذه الحلقة بظهور أفكار أو اعتقادات مرتبطة بالأشياء، مثل الخوف من فقدان شيء مهم أو الاعتقاد بأن الشيء قد يكون ذا قيمة في المستقبل. وتؤدي هذه الأفكار إلى تنشيط استجابة انفعالية تتمثل غالبا في القلق أو التوتر. وللتخفيف من هذا القلق يلجأ الفرد إلى الاحتفاظ بالشيء بدلا من التخلص منه، مما يؤدي إلى شعور مؤقت بالارتياح. غير أن هذا الارتياح يعمل في الوقت نفسه كآلية تعزيز سلبي للسلوك، إذ يزيد من احتمال تكرار الاحتفاظ بالأشياء في المستقبل. ومع مرور الوقت تتحول هذه العملية إلى نمط دائري يعزز تراكم الممتلكات ويجعل التخلص منها أكثر صعوبة. ويمكن تلخيص هذه الحلقة في الشكل الآتي:

وتوضح هذه الدينامية كيف يصبح الاكتناز نمطا سلوكيا مستقرا يصعب تغييره دون تدخل علاجي يستهدف الاعتقادات المعرفية والعمليات الانفعالية المرتبطة به.

5. الدلالات العلاجية في ضوء العلاج المعرفي السلوكي

في ضوء الفهم المعرفي للاكتناز القهري، يركز العلاج المعرفي السلوكي على تعديل الاعتقادات غير التكيفية المرتبطة بالأشياء، وتنمية مهارات التنظيم واتخاذ القرار، إضافة إلى مساعدة الفرد على تطوير استراتيجيات أكثر تكيفا لتنظيم القلق والانفعال.

ومن بين الأساليب العلاجية التي أثبتت فعاليتها في هذا المجال إعادة البناء المعرفي، التي تهدف إلى مساعدة الفرد على إعادة تقييم الأفكار المرتبطة بقيمة الأشياء أو ضرورتها المستقبلية. كما يعتمد العلاج على التعرض التدريجي لعملية التخلص من الممتلكات، بحيث يتعلم الفرد مواجهة القلق المرتبط بهذه العملية دون اللجوء إلى الاحتفاظ بالأشياء.

إلى جانب ذلك، يتضمن التدخل العلاجي تدريب الفرد على مهارات التنظيم والتصنيف، وتنمية القدرة على اتخاذ القرار، وهو ما يساعد على تقليل العبء المعرفي المرتبط بعملية فرز الممتلكات.

وتشير الدراسات إلى أن الجمع بين تعديل الاعتقادات المعرفية، وتدريب المهارات التنفيذية، ومواجهة القلق المرتبط بالتخلص من الأشياء يمثل أحد أكثر الأساليب العلاجية فعالية في علاج اضطراب الاكتناز (Steketee & Frost, 2007; Frost & Steketee, 2014).

وهذا التكامل العلاجي يعكس طبيعة الاضطراب ذاته، إذ يتشكل الاكتناز من تفاعل معقد بين أنماط التفكير غير التكيفية، وصعوبات التنظيم المعرفي، وآليات تنظيم القلق.

خاتمة

يتضح من خلال التحليل المعرفي لظاهرة الاكتناز القهري أن هذا السلوك لا يمكن اختزاله في مجرد ميل مفرط إلى الاحتفاظ بالأشياء أو في نزعة شخصية نحو التملك، بل يمثل نتاجا لتفاعل معقد بين عدد من العمليات المعرفية والانفعالية والتنظيمية. فالاعتقادات المرتبطة بقيمة الأشياء ومعناها الشخصي، والتحيزات الإدراكية التي تضخم احتمالات الخسارة أو الحاجة المستقبلية، إضافة إلى المخططات المعرفية المرتبطة بالأمان والسيطرة، كلها عناصر تسهم في تشكيل علاقة خاصة بين الفرد وممتلكاته.

وقد بيّن التحليل أن الأشياء، في سياق الاكتناز القهري، لا تؤدي وظيفة مادية فحسب، بل تتحول إلى وسائط نفسية لتنظيم القلق والانفعال. فالفرد يحتفظ بالأشياء ليس فقط بسبب قيمتها المحتملة، بل أيضا لأنها تمنحه شعورا مؤقتا بالأمان وتخفف من التوتر المرتبط باتخاذ قرار التخلص منها. وفي هذا الإطار، تتشكل حلقة معرفية – انفعالية يصبح فيها الاحتفاظ بالأشياء سلوكا معزَّزا بفعل الارتياح المؤقت الذي يعقب تجنب القرار.

كما أظهرت النماذج المعرفية المعاصرة أن صعوبات التنظيم المعرفي والوظائف التنفيذية، خاصة تلك المتعلقة باتخاذ القرار والتصنيف والتخطيط، تلعب دورا مهما في تعقيد عملية فرز الممتلكات، مما يجعل التخلص من الأشياء مهمة معرفية وانفعالية مرهقة. ونتيجة لذلك، يتعزز سلوك الاكتناز بوصفه استراتيجية لتجنب القلق ولتخفيف العبء المعرفي المرتبط باتخاذ القرار.

وانطلاقا من هذا الفهم، تؤكد المقاربة المعرفية السلوكية أن التدخل العلاجي الفعال ينبغي أن يستهدف في آن واحد المعتقدات غير التكيفية المرتبطة بالأشياء، والآليات الانفعالية التي تحافظ على السلوك، إضافة إلى تنمية مهارات التنظيم واتخاذ القرار. فإعادة بناء العلاقة المعرفية والانفعالية بالأشياء تمثل خطوة أساسية في كسر الحلقة المحافظة على الاكتناز، وفي مساعدة الفرد على استعادة قدرته على تنظيم فضائه المعيشي وعلاقته بممتلكاته.

وبذلك يبرز الاكتناز القهري بوصفه ظاهرة تكشف، في عمقها، عن الطريقة التي يمكن أن تتحول بها الأشياء إلى حوامل للمعنى والانفعال داخل البنية المعرفية للفرد، وهو ما يجعل فهمها وتحليلها من منظور معرفي خطوة أساسية نحو تطوير تدخلات علاجية أكثر فعالية في التعامل مع هذا الاضطراب.

المراجع:

American Psychiatric Association. (2015). Manuel diagnostique et statistique des troubles mentaux (DSM-5). Traduction française. Issy-les-Moulineaux : Elsevier Masson.

Beck, A. T. (2013). Thérapie cognitive des troubles de la personnalité (2e éd.). Bruxelles: De Boeck.

Beck, J. S. (2011). Cognitive Behavior Therapy: Basics and Beyond. New York: Guilford Press.

Frost, R. O., & Hartl, T. (1996). A Cognitive-Behavioral Model of Compulsive Hoarding. Behaviour Research and Therapy, 34(4), 341–350.

Frost, R. O., & Steketee, G. (2014). Le trouble d’accumulation compulsive : comprendre et traiter le hoarding. Bruxelles : De Boeck.

Frost, R. O., & Steketee, G. (2016). Le syndrome de Diogène et l’accumulation compulsive. Bruxelles, De Boeck Supérieur.

Steketee, G., & Frost, R. O. (2007). Compulsive Hoarding and Acquiring: Therapist Guide. Oxford: Oxford University Press.

Steketee, G., & Frost, R. O. (2012). Accumulation compulsive : comprendre et traiter le trouble de thésaurisation. Bruxelles : De Boeck Supérieur.

Tolin, D. F., Frost, R. O., & Steketee, G. (2010). Buried in Treasures: Help for Compulsive Acquiring, Saving, and Hoarding. Oxford: Oxford University Press.

Tolin, D. F., Frost, R. O., & Steketee, G. (2010). A Cognitive Behavioral Model of Hoarding Disorder. Behaviour Research and Therapy, 48(6), 523–534.

Tolin, D. F., Stevens, M. C., Villavicencio, A. L., Norberg, M. M., Calhoun, V. D., Frost, R. O., Steketee, G., & Pearlson, G. D. (2012). Neural Mechanisms of Decision Making in Hoarding Disorder. Archives of General Psychiatry, 69(8), 832–841.

Young, J. E., Klosko, J. S., & Weishaar, M. (2005). La thérapie des schémas : approche cognitive des troubles de la personnalité. Bruxelles : De Boeck.

من نفس المؤلف

«قبل أن تقع — الذكاء الوقائي»: 36 مقولة لتنمية اليقظة الاستشرافية.

اقتن الكتاب

« تغذية العقل هي إعداد للمستقبل. »

— بايدادا إديشن

اكتشف الكتاب