حين تُسْرَق الأساور: الحاجة إلى تشفير معنوي

|Dr Mohamed Baidada

حين تُسْرَق الأساور: الحاجة إلى تشفير معنوي

### قراءة سيكولوجية لحكاية "غريبة وباباينوفا"

### د. محمد بيدادة

### باحث في علم النفس المعرفي، المغرب

### ملخص الحكاية:

في بيت خشبيٍّ صغيرٍ على حافة الغابة، عاشت فتاة تُدعى "غْريبة" مع إخوتها الصغار وأبيها العجوز الكفيف، بعد أن اختطف الموتُ أمَّهم في خريفٍ بعيد.

ورغم حداثة سنّها، حملت "غْريبة" البيت على كتفَيْها. كانت، كلَّ فجرٍ، تُُحْكِمُ عُقدة ثوبها، تُُرََّبُِتُُ على رؤوس إخوتها، تُُغُلق الباب خلفها، ثم تمضي عميقا في دروب الغابة، تجمع الحطب، وتبحث عن الثمار المتساقطة، تبيع بعضها في السوق لتعود بما يسدّ رمَق الأسرة الصغيرة.

كل مساء، حين تعود، كانت تقف خلف باب البيت وتنادي بنبرة تعرفها الغابة: أنا "غْريبة"، افتح يا أبي. فيجيب الأب من خلف الباب المغلق: حرّكي أساورك وخلاخلك، لأتأكد أنكِ أنتِ، لا وحش الغابة الذي يُقّلّدك. فتُُحرّك "غْريبة" يديْها وقدميْها، فيرنّ صوت الأساور وتغّني الخلاخل، فيطمئن الأب ويفتح الباب.

وهكذا مرّت الأيام. كانت الأساور والخلاخل كلمةَ السر، الخيطَ الوحيدََ الذي يربطها بالبيت، رمزَ الثقة في عالم تغمره الوحشة القاتمة.

لكن، ذات مساء مظلم، وبينما كانت عائدة من الغابة، خرجتْ من بين الأشجار أيادٍ خشنة وعيونٌ لا تعرف الرحمة. كانوا قُطَّاعَ طُرق، نهبوا سََّلتها، وسرقوا منها كل شيء… حتى أساورها وخلاخلها.

تعثّرت في الطريق، وتأخرت كثيرا... ولمّا وصلت إلى البيت الخشبي، كان الظلام قد ابتلع كل شيء. وقفت أمام الباب، طرقت بيدين مرتجفتين، ثم قالت: أنا "غريبة"، افتح يا أبي. جاء الصوت المألوف: حرّكي أساورك. قالت بصوت منكسر: سُرقت… سُرقت مني. حرّكي خلاخلك. لقد أُخذت هي الأخرى...

ساد صمتٌ ثقيل... ثم قال الأب، بصوتٍ يملأه الخوف: لا أستطيع… قد تكونين أنتِ، وقد لا تكونين...

ظلّت "غْريبة" واقفة خلف الباب، وقد انحنى صوت الريح على قمم الأشجار، والبرد القارس ينخر جسدها الصغير في غياب دفء البيت. وفي الداخل، جلس الأب، قابضا على الخشبة، مسكونا بهاجس الخوف من وحش الغابة… لم يُفتح الباب. وقضت "غْريبة" ليلتها أمام الدار، بردا وخوفا، وربما… إلى الأبد.

### مقدمة

في حياة الإنسان، تشكّل الثقة والهوية ركائز أساسية يقوم عليها نسيج العلاقات الإنسانية الدائمة. غير أن هذه القيم لا تنشأ تلقائيا، بل تتجذر عبر سيرورة داخلية معقدة، تُُحوّل التجربة إلى معنى ذي دلالة، والرمز إلى رابط وجداني. فعندما تعجز الحواس عن تأكيد الصلات أو ضمان استمراريتها، يتدخل ما يمكن تسميته بـالترميز المعنوي، ذلك الإجراء النفسي العميق الذي يُضفي على الأشياء المادية قيمة وجدانية صرف، ويجعل منها دلائل على الحب، والحضور، والانتماء.

تمثل الحكايات الشعبية أحد أبرز الأوعية الرمزية التي عبّرت بها المجتمعات عن هواجسها وتجاربها وأسئلتها الوجودية. فهي ليست مجرّد أداة للخيال أو الترفيه، بل لغة داخلية تحتضن القيم، وتُُرمّم الذاكرة، وتُُعيد تشكيل التجربة العاطفية ضمن إطار رمزي يسمح للفرد بأن يعايش جروحه المؤجلة، ويعيد قراءتها من خلال شخصيات الحكاية ومواقفها.

وفي هذا السياق، تبرز حكاية "غريبة وأبيها باباينوفا" بوصفها نصا رمزيا بالغ الحساسية، لا يُرْوَى لمجرد أحداثه، بل يُسْتَبْطَُنُ كمرآة لاضطراب عاطفي خفي. فليست المسألة في جوهرها أن فتاة أُغْلِقَ البابُ في وجهها، أو أن أساورها قد سُرقت، بل إن ما تهدّم هو الإحساس بالأمان، حين تحوّلت الرموز المادية من جسورِ للتواصل إلى أوهامٍ للاستمرار. إنها حكاية عن العلاقات التي لم تُُشفّر نفسيا بما يكفي، فبقيت هشّة، معلّقة على أساور يمكن أن تُسرق في أيّ لحظة، وفي غفلة من الجميع.

ومن هنا ينبثق السؤال المركزي الذي تطرحه الحكاية: هل يمكن لعلاقة أن تصمد إذا تأسست على رموز خارجية فقط؟ وماذا يُشير غياب الرمز عن طبيعة العلاقة ذاتها؟ هل يُشير إلى فراغ عاطفي أعمق، أم إلى غياب بنية داخلية تُؤَمِّن لهذه العلاقة معناها وثباتها؟

### حينما تَضِلّ الهوية طريقها: بين الخوف والافتقاد

في الحكاية، يتكئ الأب الكفيف على صوت الأساور والخلاخل ليتعرّف إلى ابنته. هذا الصوت، رغم بساطته، يتحوّل إلى شفرة حميمية مميزة، علامة سرّية تُطمئنه إلى أنها هي، لا سواها.

هو لا يراها، لكنه يسمعها، لا بعينيه بل بذاكرته، وقد رتّب الثقة على هذا الصدى المتكرر. وحين تُُسرق الأساور، يُسرق معها المفتاح الوحيد إلى اليقين.

يفقد الأب ما يشبه بصمة الهوية التي يعرف بها "غْريبة"، فيرتبك ميزانُ العلاقة. لم يعد لديه ما يُرجّح صدقََ الحضور، ولا ما يُبدّد الخوف.

في لحظة واحدة، تتحول الابنة إلى تهديد محتمل، والبيت الذي كان ملاذا يغلق أبوابه. لا لأن الحب اعتراه الفتور، أو الأب قد تخلَّى، بل لأن الوسيلة الوحيدة التي جمعت الإدراك بالوجدان قد اختفت.

هذا المشهد، بحمولته الرمزية، يُشف هشاشة العلاقات حين تُختزل في رمز خارجي قابل للاستعارة أو التزوير. وحين لا تتجذر الهوية في عمق الوجدان، تُصبح عرضة للضياع، تماما كما ضاعت "غْريبة" وهي تقف أمام بيتها، غريبةً لا لأن ملامحها تغيّرت، بل لأن ما كان يُعرّفها لم يعد موجودا.

من هنا ينبثق سؤال نفسي مقلق: هل تُبنى الهوية بما نرتديه ونُظهره؟ أم بما نُخلّفه من أثر لا يُرى، لكنه لا يََمَّحي؟

لو كانت بين "غْريبة" وأبيها إشارة أكثر خصوصية، غير قابلة للنسخ أو التلاعب، لربما ظلّ الطريقُ سالكا بينهما. في العمق، الحكاية لا تُدين الأب، بل تُضيء زاوية معتمة في النفس البشرية: حين ترتبط الثقة بالعلامات الخارجية فقط، تصبح العلاقة مشروطة، عمياء، وقابلة للانهيار عند أول خلل.

### من الرنين إلى اليقين: الذاكرة العاطفية أصدق من الزينة

في عالم الأب الكفيف، كان صوت الخلخال جسرا يوميا يعبره إلى ابنته. لم يكن مجرد زينة تُُقرع، بل علامة فارقة، تميّز الحضور عن الغياب، والأمان عن التهديد.

لكنه، مع ذلك، ظل رمزا هشّا؛ إذ ما إن تُنتزَع الزينة، حتى يضيع الطريق، ويُغَلق الباب، لا لأن الحب تلاشى، بل لأن وسيلته انهارت. المفارقة المؤلمة أن علاقة كاملة تأسست على ما يُمكن تقليده.

لو كان بين الأب و"غْريبة" شيءٌ لا يُسرق، ولا يُُزاح، ولا يُزََّف… شيءٌ متجذر في الذاكرة العاطفية، كرائحة عناقِ معتاد، أو طريقة نداءٍ لا تتكرر، أو حتى لحنٍ خاص تنبع منه طمأنينة لا يشوبها شك—لربما كان القلب يسبق الأذن.

لكن "غْريبة"، حينما سُرِقت زينتُُها، سُرِقت معها هويتُُها الصوتية. بقيت هي، بجسدها، بروحها، أمام الباب، لكن العلامة اختفت، فأُغْلِقتِ الأبواب باسم الحذر، واندسّتِ الحقيقة تحت عباءة الشك.

الذاكرة التي لا تُبنى إلا على الرنين، لا تصمد أمام الصمت. وحدها الذكريات التي تُخزَّن في الأعماق – في التفاصيل التي لا تُشترى – هي التي تُنقذ المحبة حين تُهدّدها الخسارة.

### حينما يصبح المعنى درعا داخليا

نحن بحاجة إلى "تشفير معنوي" للعلاقات، بحيث تصبح الذكريات والإشارات محمية داخليا، لا مادية فقط. ففي زمن تتآكل فيه الرموز، تُُصبح العلاقات التي تقوم على أثر داخلي أكثر صلابة من تلك التي تعتمد على العلامات الخارجية.

"غْريبة" وقفت على الباب دون أن يُفتح، لأن الأب لم يجد في الخارج ما يُطمئنه. لكن لو كان بينهما معنًى مشتركٌ غيرُ قابل للسرقة، لكان كافيا أن يسمع نبرة خائفة، أو بكاء مألوفا، ليُدرك الحقيقة كاملة.

نحن لا نحفظ أحبابنا في الصور أو الأشياء العابرة، بل في الطقوس الصغيرة التي نعيشها معهم بمنتهى العمق: نبرةٌ صادقة، لمسةٌ حانية، ضحكةٌ مفرحة، أو دعاءٌ لا يُقال لغيرهم. وهذا هو التشفير الداخلي، أن نَْحمِلهم فينا، لا معنا فقط.

### خاتمة: ما يبقى حين يُسلب كل شيء

ليست هذه الحكاية مجرد مأساة لفتاة أُغْلِقَ البابُ في وجهها، بل هي مرآة دقيقة لما يحدث في علاقاتنا حين نُُفاجأ بأن الرابط الذي بنيناه ليس قويا بما يكفي للصمود.

هل نحبّ من نحبهم بما يكفي لنميزهم دون زينتهم؟ هل علاقتنا بهم قائمة على شيء لا يُنتزع مهما عصفت به نوائب الدهر؟

الحكاية لا تسخر من الأب، ولا تلوم "غَريبة"، بل تقول لنا: حين نبني علاقاتنا على الملموس فقط، نخاطر بأن تنهار حين يغيب هذا الملموس. أما حين نربطها بالمعنى، ونغرس فيها رموزا داخلية لا يعرفها أحد سوانا، فإنها تصمد، حتى حين يضيع كل شيء.

الأبواب لا تُفتح بالأساور، بل بالطمأنينة. وحين يُغلق الباب ذاتَ خوفٍ، لن يفتحه الصوت، بل ما يتردد خلفه من يقين… ذلك الذي لا يُسرقُ، ولا يُقلَّدُ، ولا يُنسَى.

1 الأغنية التي يؤديها الفنان الراحل "إيدير" تحت عنوان: أبابا ينوفا.

من نفس المؤلف

«قبل أن تقع — الذكاء الوقائي»: 36 مقولة لتنمية اليقظة الاستشرافية.

اقتن الكتاب

« تغذية العقل هي إعداد للمستقبل. »

— بايدادا إديشن

اكتشف الكتاب