التباعد المعرفي بين المتعلم والمدرسة

|Dr Mohamed Baidada

تحولات الزمن المعرفي في العصر الرقمي

د. محمد بيدادة

باحث في علم النفس المعرفي – المغرب ماي 2026

ملخص

يعالج هذا المقال إشكالية "التباعد المعرفي" بين المتعلم والمدرسة في العصر الرقمي، باعتباره حالة من الاختلال بين الإيقاع المعرفي المتسارع الذي تعيد البيئة الرقمية تشكيله لدى المتعلم، والإيقاع التربوي البطيئ الذي تقوم عليه المدرسة بوصفها فضاء لبناء الانتباه المستقر والتعلم التراكمي.

وينطلق المقال من فرضية مفادها أن التحولات الرقمية لم تعد تؤثر فقط في وسائل التعلم، بل أصبحت تعيد تشكيل علاقة المتعلم بالزمن والمعرفة والانتباه، مما أفرز توترا متزايدا بين منطق السرعة والتدفق الفوري، ومنطق التعلم العميق القائم على التركيز والصبر المعرفي.

كما يناقش المقال التحول الذي يطال وظيفة المدرسة، التي لم تعد مطالبة فقط بنقل المعرفة، بل أيضا بحماية الوظائف المعرفية العميقة للمتعلم داخل بيئة رقمية تتسم بالتسارع واستنزاف الانتباه.

مقدمة

يشهد العالم المعاصر تحولات رقمية متسارعة لم تعد تمسّ فقط وسائل التواصل والوصول إلى المعرفة، بل أصبحت تؤثر في الشروط المعرفية التي يتشكل داخلها الانتباه والتفكير والتعلم. فمع الانتشار الواسع للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي والتطبيقات القائمة على التدفق المستمر للمحتوى، أصبح الفرد يعيش داخل بيئة معرفية تقوم على الفورية والتنقل السريع بين المثيرات والمعلومات، الأمر الذي جعل السرعة تتحول تدريجيا من خاصية تقنية إلى بنية معرفية تؤثر في الإدراك والانتباه والمعالجة الذهنية.

وقد بدأت هذه التحولات تنعكس بصورة متزايدة على المجال التربوي وعلى طبيعة العلاقة التي أصبح المتعلم يقيمها مع المعرفة والزمن والانتباه. فالمتعلم المعاصر، الذي يتشكل وعيه داخل بيئة رقمية قائمة على التدفق السريع والاستجابة الفورية، لم يعد يتعامل مع المعرفة وفق الإيقاع نفسه الذي بُنيت عليه المدرسة تاريخيا، باعتبارها مؤسسة تقوم على التدرج والصبر المعرفي والاستغراق الذهني.

ومن هنا بدأ يظهر ما يمكن تسميته بـ"التباعد المعرفي" بين المتعلم والمدرسة، كحالة تعبر عن وجود اختلال بين الإيقاع المعرفي الذي تعيد البيئة الرقمية تشكيله لدى المتعلم، والإيقاع التربوي الذي تقوم عليه المدرسة بوصفها فضاء للتعلم المتدرج وبناء المعنى بصورة تراكمية.

وانطلاقا من هذه الإشكالية، يسعى هذا المقال إلى تحليل التحولات التي مست الزمن المعرفي في العصر الرقمي، ومساءلة التوتر القائم بين الإيقاع الإدراكي للمتعلم المعاصر والزمن التربوي الذي تقوم عليه المدرسة، مع التفكير في إمكان بناء توازن جديد بين متطلبات البيئة الرقمية والحاجة إلى التعلم العميق والانتباه المستمر.

من الزمن المعرفي البطيء إلى ثقافة السرعة الرقمية

ارتبط التعلم، تاريخيا، بزمن معرفي يقوم على التدرج والاستغراق الذهني وبطء تشكل الفهم. فبناء المعنى لا يتحقق عبر التدفق السريع للمعلومات، بل عبر زمن يسمح للانتباه بالاستقرار وللأفكار بالنضج التدريجي داخل الوعي. ولهذا ارتبطت المدرسة، منذ نشأتها، بمنطق الزمن الطويل القائم على التكرار والصبر المعرفي والتعلم التراكمي.

غير أن التحولات الرقمية المعاصرة بدأت تُحدث تغيرا عميقا في هذه العلاقة بين المعرفة والزمن. فمع هيمنة الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبح الإنسان يعيش داخل بيئة تقوم على الفورية والتفاعل اللحظي والتنقل السريع بين المثيرات. ولم تعد السرعة مجرد خاصية تقنية، بل تحولت إلى ثقافة معرفية جديدة تعيد تشكيل علاقة الفرد بالانتباه والزمن والفهم (Rosa, 2010, p. 15). كما يرى "نيكولا كار" أن القراءة الرقمية القائمة على التصفح السريع تُضعف تدريجيا القدرة على القراءة العميقة والاستغراق الذهني الطويل (Carr, 2011, p. 168).

ومن جهة أخرى، يؤكد "إيف سيتون" أن الاقتصاد الرقمي المعاصر يقوم على الاستحواذ على الانتباه داخل فضاء مشبع بالمثيرات المتنافسة (Citton, 2014, p. 52). ونتيجة لذلك، أصبح الانتباه يعيش داخل منطق التدفق والتجزئة والانتقال السريع بين المثيرات.

ومع تراكم هذه التحولات، بدأ الإدراك المعاصر يميل بصورة متزايدة إلى التفاعل السريع وتقليص زمن الانتظار الذهني، مقابل تراجع القدرة على الاستغراق الطويل والتأمل المعمق.

المتعلم المعاصر وبنية السرعة المعرفية

لم تعد البيئة الرقمية تؤثر فقط في طرائق الوصول إلى المعلومات، بل أصبحت تعيد تشكيل البنية المعرفية التي ينتظم داخلها الانتباه والإدراك لدى المتعلم المعاصر. فالمتعلم اليوم يتشكل وعيه داخل بيئة تقوم على التدفق السريع للمثيرات، والتفاعل الفوري، والتنقل المستمر بين المحتويات، الأمر الذي يجعل الانتباه يعيش داخل حالة من الاستنفار الإدراكي المستمر.

وتشير أبحاث حديثة في علم النفس المعرفي إلى أن التعرض المستمر للمحتويات الرقمية السريعة يؤدي تدريجيا إلى بناء نمط إدراكي قائم على الانتقال السريع بين المهام والمثيرات بدل التركيز الممتد (Gazzaley & Rosen, 2016, p. 31). كما تقوم البيئة الرقمية على منطق "الإشباع الفوري"، حيث يحصل المستخدم بسرعة على المعلومات أو المكافآت النفسية، مما يعزز الميل إلى البحث المستمر عن الإثارة والتجديد (Alter, 2017, p. 73).

وفي هذا الإطار، يشير "جون-فيليب لاشو" إلى أن الدماغ، عندما يعتاد على المقاطعات المتكررة، يصبح أقل قدرة على الحفاظ على الانتباه المستمر والانغماس العميق في مهمة واحدة (Lachaux, 2011, p. 145).

ولا يعني ذلك أن المتعلم المعاصر أصبح أقل ذكاء، بل إن البيئة الرقمية بدأت تنتج نمطا جديدا من الاشتغال المعرفي يقوم على السرعة والتدفق والتفاعل الفوري، مقابل تراجع القدرة على الصبر المعرفي والاستغراق الذهني الطويل.

المدرسة بوصفها مؤسسة للزمن المعرفي البطيء

رغم التحولات الرقمية المتسارعة، ما تزال المدرسة تشتغل، في بنيتها العميقة، وفق منطق معرفي يقوم على الزمن الطويل والتدرج والاستغراق الذهني. فالمؤسسة التعليمية لم تُبنَ باعتبارها فضاء للاستهلاك السريع للمعلومات، بل باعتبارها فضاء يستهدف بناء المعرفة بصورة تراكمية تسمح بنضج العمليات العقلية.

ولهذا ارتبط التعلم المدرسي بممارسات معرفية تحتاج إلى قدر من الاستقرار الانتباهي، مثل القراءة المتأنية والكتابة التحليلية وحل المشكلات. ويؤكد "ستانيسلاس ديهاين" أن التعلم الفعّال يحتاج إلى قدر من الاستقرار الانتباهي يسمح للدماغ بمعالجة المعلومات بصورة عميقة وتثبيتها داخل الذاكرة طويلة المدى (Dehaene, 2018, p. 221).

غير أن هذا المنطق الزمني بدأ يواجه توترا متزايدا داخل البيئة الرقمية، لأنها تقوم على فكرة أساسية مفادها أن بناء الفهم يحتاج إلى زمن، وأن التفكير العميق لا يتحقق داخل التدفق السريع للمثيرات.

التباعد المعرفي بين المتعلم والمدرسة

لم يعد التوتر القائم اليوم بين المتعلم والمدرسة يرتبط فقط بصعوبات التحصيل أو تغير الوسائط التعليمية، بل أصبح يعكس نوعا من "التباعد المعرفي" الناتج عن اختلاف الإيقاع الإدراكي والزمني الذي تنتظم داخله خبرة التعلم لدى كلٍّ من المتعلم والمدرسة.

وفي هذا السياق، تشير أبحاث علم النفس المعرفي إلى أن التعرض المستمر للمثيرات الرقمية السريعة يؤدي إلى تعويد الدماغ على المعالجة المجزأة والانتقال السريع بين المهام، مما يجعل وضعية التعلم المدرسي القائمة على التركيز الطويل أكثر صعوبة بالنسبة للمتعلم المعاصر (Gazzaley & Rosen, 2016, p. 54).

ولذلك، لم تعد المدرسة تواجه فقط تحدي نقل المعرفة، بل أصبحت تواجه أيضا تحدي الحفاظ على استقرار الانتباه داخل عالم مشبع بالمثيرات المتنافسة.

هل ينبغي أن تتكيف المدرسة مع السرعة الرقمية؟

أمام التحولات التي مست البنية المعرفية للمتعلم المعاصر، يبرز سؤال أساسي: هل ينبغي للمدرسة أن تعيد تشكيل نفسها وفق إيقاع السرعة الرقمية حتى تصبح أكثر انسجاما مع المتعلم الجديد؟ أم أن وظيفتها تتمثل، على العكس، في حماية التعلم من منطق التدفق والاستجابة الفورية؟

فالمدرسة لم تكن تاريخيا مجرد فضاء لنقل المعلومات، بل شكلت مؤسسة لإعادة تنظيم الزمن المعرفي للإنسان. فهي تقوم على تدريب الدماغ على التريث والانتباه المستقر والتدرج في بناء المعنى، وهي عمليات لا يمكن اختزالها بالكامل داخل منطق السرعة. كما يشير "برنار ستيغلر" إلى أن المدرسة مطالبة بحماية "الانتباه العميق" بدل الاستسلام الكامل لمنطق السرعة الرقمية (Stiegler, 2008, p. 94).

ومن هنا، لا يبدو السؤال الحقيقي اليوم هو كيف يمكن للمدرسة أن تواكب السرعة الرقمية؟ بل هو كيف يمكنها أن تُعلِّم المتعلم متى ينبغي أن يبطئ؟

نحو تربية جديدة على التوازن المعرفي

أمام التحولات التي مست الزمن المعرفي للمتعلم المعاصر، لم يعد التحدي التربوي يتمثل فقط في إدماج التكنولوجيا داخل التعليم، بل أصبح يرتبط بإعادة التفكير في طبيعة العلاقة التي ينبغي أن يبنيها الإنسان مع المعرفة والانتباه والزمن داخل البيئة الرقمية.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى بناء "توازن معرفي" يسمح للمتعلم بالتفاعل مع متطلبات البيئة الرقمية دون أن يفقد قدرته على التركيز العميق والتفكير المتأني.

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري إعادة الاعتبار لما يمكن تسميته بـ"الحق في التباطؤ المعرفي"، أي حق المتعلم في امتلاك زمن ذهني يسمح بالتأمل، والتريث، وبناء المعنى خارج ضغط التدفق الرقمي المستمر.

ومن هنا أصبحت التربية مطالبة بتطوير وظائف جديدة تشمل التربية على الانتباه، وتنمية الصبر المعرفي، وتعزيز القدرة على التركيز، وتدريب المتعلم على تنظيم علاقته بالمثيرات الرقمية (Crawford, 2015, p. 43).

وفي هذا السياق يؤكد "جون-فيليب لاشو" أن الانتباه ليس قدرة ثابتة، بل وظيفة معرفية يمكن تدريبها وتقويتها عبر الممارسة والتوجيه التربوي المناسب (Lachaux, 2011, p. 191).

خاتمة

تكشف التحولات الرقمية المعاصرة عن أن الأزمة التي تعيشها المدرسة اليوم لا ترتبط فقط بتغير الوسائط التعليمية، بل بتحول أعمق يمسّ البنية الزمنية التي يتشكل داخلها الإدراك والتعلم والانتباه في العصر الرقمي.

غير أن مواجهة هذا التباعد لا تقتضي الإخضاع الكامل للمدرسة لمنطق السرعة الرقمية، كما لا تعني رفض التحولات التكنولوجية. فالتحدي الحقيقي يتمثل في قدرة التربية على بناء توازن جديد بين متطلبات العصر الرقمي والحاجة الإنسانية إلى العمق والانتباه والتفكير المتأني.

فأخطر ما يمكن أن يخسره الإنسان في عالم السرعة الرقمية ليس المعلومات، بل قدرته على التفكير العميق، وعلى الإصغاء الطويل، وعلى بناء علاقة متوازنة مع الزمن والمعرفة.

قائمة المراجع

Alter, A. (2017). Irresistible: The Rise of Addictive Technology and the Business of Keeping Us Hooked. New York : Penguin Press.

Carr, N. (2011). Internet rend-il bête ? Réapprendre à lire et à penser dans un monde fragmenté. Paris : Robert Laffont.

Citton, Y. (2014). Pour une écologie de l'attention. Paris : Seuil.

Crawford, M. B. (2015). The World Beyond Your Head: On Becoming an Individual in an Age of Distraction. New York : Farrar, Straus and Giroux.

Dehaene, S. (2018). Apprendre ! Les talents du cerveau, le défi des machines. Paris : Odile Jacob.

Desmurget, M. (2019). La fabrique du crétin digital. Paris : Seuil.

Gazzaley, A., & Rosen, L. (2016). The Distracted Mind: Ancient Brains in a High-Tech World. Cambridge : MIT Press.

Goleman, D. (2013). Focus: The Hidden Driver of Excellence. New York : HarperCollins.

Han, B.-C. (2015). Dans la nuée : Réflexions sur le numérique. Arles : Actes Sud.

Lachaux, J.-P. (2011). Le cerveau attentif : Contrôle, maîtrise et lâcher-prise. Paris : Odile Jacob.

Rosa, H. (2010). Accélération : Une critique sociale du temps. Paris : La Découverte.

Sadin, É. (2015). La vie algorithmique : Critique de la raison numérique. Paris : L'Échappée.

Stiegler, B. (2008). Prendre soin. Tome 1 : De la jeunesse et des générations. Paris : Flammarion.

من نفس المؤلف

«قبل أن تقع — الذكاء الوقائي»: 36 مقولة لتنمية اليقظة الاستشرافية.

اقتن الكتاب

« تغذية العقل هي إعداد للمستقبل. »

— بايدادا إديشن

اكتشف الكتاب