قراءة معرفية في حكاية "بلد العميان"
د. محمد بيدادة
باحث في علم النفس المعرفي، المغرب
مارس 2026
ملخص الحكاية
تدور أحداث حكاية بلد العميان للكاتب "هربرت جورج ويلز" حول رجلٍ مبصر خبير في تسلق الجبال يجد نفسه، إثر حادث انزلاقه من أعلى، داخل وادٍ معزول يعيش فيه مجتمع فَقَدَ أفرادُه حاسة البصر منذ أجيال، حتى غدت العتمة قاعدة طبيعية تُبنى عليها حياتهم وإدراكاتهم. في البداية، يَفترض الوافد الجديد أن امتلاكه للبصر سيمنحه تفوقا واضحا، ويمكّنه من السيطرة على هذا المجتمع، مستندا إلى المقولة الشائعة: "في بلد العميان يكون الأعور ملكا".
غير أن هذا الافتراض سرعان ما ينهار؛ إذ يكتشف أن سكان هذا المجتمع لا يملكون أي تمثّل لمفهوم الرؤية، ولا يعترفون بها كخبرة ممكنة. بل يعيدون تفسير خطاب الرجل المبصر وفق منظومتهم الإدراكية الخاصة، معتبرين حديثه عن الإبصار نوعا من الوهم أو الاضطراب. ومع تصاعد التوتر، يتحول الاختلاف الإدراكي إلى موضوعِ تدخّل، حيث يُقترح في النهاية إخضاعه لعلاج يهدف إلى إزالة مصدر هذا "الخلل"، أي عينيه، من أجل إدماجه في النظام السائد.
تكشف هذه الوضعية عن مفارقة عميقة: فبدل أن يشكل البصر مصدر قوة، يتحول إلى علامة انحراف داخل نسق معرفي لا يعترف به. وهكذا يجد الفرد المبصر نفسه أمام خيار صعب: إما التمسك بإدراكه الخاص، أو التكيف مع معايير جماعة تعيد تعريف الطبيعي والحقيقي وفق حدود تجربتها الحسية.
مقدمة
لا يمكن اختزال المعرفة الإنسانية في كونها انعكاسا مباشرا للواقع، بل هي بناء معقّد يتشكّل ضمن سيرورة تفاعلية تجمع بين المعطيات الحسية، وآليات المعالجة العصبية، والأطر الاجتماعية-الثقافية التي تمنح هذه المعطيات معناها. فالعالَم لا يُدرَك كما هو في ذاته، بل كما تسمح به بنيتنا الإدراكية وأنماط تنظيم خبرتنا (Merleau-Ponty, 1945, p. 67)، وهو ما تؤكده المقاربات المعاصرة في العلوم المعرفية التي ترى في الإدراك عملية بنائية متجسدة (Varela et al., 1993, p. 176).
ضمن هذا الأفق، تكتسي حكاية "بلد العميان" قيمة إبستمولوجية خاصة، إذ تمثل وضعية اختبارية يُعاد فيها توزيع العلاقة بين الإدراك والحقيقة. فحين يجد فرد مبصر نفسه داخل جماعة لا تتقاسم معه نفس البنية الحسية، لا يعود الاختلاف مجرد تنوع في الخبرة، بل يتحول إلى صدام بين أنماط متباينة في بناء الواقع.
ينبثق عن هذا الوضع الإشكال التالي: إلى أي مدى تتحدد الحقيقة بشروط الإدراك؟ وهل يمكن الحديث عن معرفة موضوعية مستقلة عن الأطر الإدراكية والاجتماعية، أم أن المعرفة تظل بناء نسبيا يتشكل ضمن أنظمة إدراكية متمايزة؟
ينطلق هذا المقال من فرضية إبستمولوجية مفادها أن المعرفة تُبنى عند تقاطع الإدراك الفردي والتنظيم الاجتماعي للمعنى، حيث قد تتحول الأغلبية إلى سلطة معرفية تعيد تحديد معايير الطبيعي والمقبول والحقيقي. ومن خلال قراءة معرفية للحكاية، يسعى المقال إلى تفكيك آليات بناء الإدراك، وتحليل دور الجماعة في تقنين الحقيقة، وإبراز حدود العقل البشري حين يواجه ما يتجاوز أطره الإدراكية؛ بما يفضي إلى إعادة مساءلة مفهوم المعرفة، والتأكيد على مركزية التواضع المعرفي في سياق تعددية العوالم الإدراكية.
الإدراك كبنية مُنشِئة للواقع
لم يعد الإدراك، في ضوء التحولات التي عرفتها العلوم المعرفية، مجرد استقبال سلبي للمعطيات الحسية، بل يُفهم بوصفه نشاطا بنائيا يضطلع فيه الدماغ بتنظيم المعلومات وتأويلها في ضوء الخبرة والسياق (Dehaene, 2014, p. 85). ومن هذا المنظور، لا ينفصل الواقع المعيش عن الشروط الإدراكية التي تتيح ظهوره.
تجسد حكاية "بلد العميان" هذه الفكرة بوضوح، إذ يكشف غياب البصر لدى الجماعة عن نمط مغاير في تنظيم الخبرة، حيث لا تُستبعد الرؤية فحسب، بل تُلغى بوصفها إمكانية معرفية. وهو ما ينسجم مع التصور الفينومينولوجي لـ"ميرلو بونتي" الذي يجعل من الإدراك أفقا لكل معنى ممكن (Merleau-Ponty, 1945, p. 53).
كما تؤكد المقاربة الإناكتيفية أن الإدراك ليس تمثيلا للعالم، بل هو انخراط فيه عبر الجسد والتفاعل (Varela et al., 1993, p. 145)، مما يعني أن ما لا يدخل ضمن دائرة الفعل الإدراكي، يظل خارج أفق الحقيقة. ومن ثم، تغدو حدود الإدراك حدودا للواقع ذاته، لا باعتباره معطى موضوعيا صرفا، بل بوصفه تجربة معيشة ومُؤوَّلة.
ومن ثم، فإن الحقيقة لا تُبنى فقط عبر ما نُدركه، بل أيضا عبر قدرتنا على مراجعة شروط إدراكنا ذاته، وهو ما يمنح المعرفة طابعها النقدي والتطوري.
الاختلاف الإدراكي وإعادة تحديد معايير الحقيقة
تكشف الحكاية عن أن الحقيقة لا تتحدد بمعزل عن الأطر الإدراكية التي تنتجها، بل تتشكل داخل أنظمة معيارية تضبط ما يُعدّ مقبولا أو مرفوضا. فالعميان لا يرفضون الرؤية بوصفها رأيا، بل يستبعدونها بوصفها خبرة غير قابلة للإدراك، مما يحولها إلى "لامعقول" داخل نسقهم المعرفي.
هذا ما تؤكده أعمال باحثين كثيرين أمثال "ستانيسلاس ديهان" حول بناء الواقع الواعي، حيث يبيّن أن ما يُدرك ويُعترف به يرتبط بآليات الانتقاء العصبي والانتباهي (Dehaene, 2014, p. 102). كما يبرز "ألان بيرتوز" أن الإدراك يقوم على تبسيط انتقائي للعالم، يجعل بعض الأبعاد مرئية وأخرى غير قابلة للتمثل (Berthoz, 2013, p. 64).
في هذا السياق، لا يكون الاختلاف الإدراكي مجرد اختلاف في المحتوى، بل يصبح اختلافا في شروط الإمكان المعرفي ذاته. ومن ثم، فإن ظهور المبصر لا يُفهم كإضافة معرفية، بل كتهديد لبنية الحقيقة القائمة، مما يفسر ميل الجماعة إلى "تصحيح" هذا الاختلال بدل استيعابه.
رهانات الاختلاف الإدراكي: نحو أفق معرفي موسّع
رغم طابعه الصراعي، يفتح الاختلاف الإدراكي إمكانات نوعية لتوسيع المعرفة. فمواجهة أنماط إدراكية مغايرة تزعزع بداهات التفكير، وتدفع نحو إعادة تنظيم التمثلات الذهنية، وهو ما يشكل أساس المرونة المعرفية.
تشير أبحاث "جون بيير شونجو" إلى أن الدماغ يمتلك قابلية عالية لإعادة التنظيم في ضوء الخبرة، مما يجعل الانفتاح على تجارب غير مألوفة شرطا لتطوير المعرفة (Changeux, 2017, p. 118). كما تؤكد المقاربات التربوية المعاصرة المبنية على أسس معرفية أن التعلم الفعّال يقوم على تنويع البيئات الإدراكية وتحفيز التفاعل مع الاختلاف (Berthoz, 2013, p. 112).
وعليه، فإن الاختلاف الإدراكي لا ينبغي أن يُفهم كحدّ للمعرفة، بل كرافعة لتوسيعها، إذ يسمح بإدراك نسبية التمثلات، ويؤسس لفهم أكثر دينامية للواقع، ومن ثم، تعزيز التفكير النقدي الذي يدفع الفرد إلى مساءلة مسلّماته وإعادة فحص حدود يقينه المعرفي.
الانفتاح الإدراكي كشرط لإعادة بناء الحقيقة
إذا كان الإدراك يحدد أفق الحقيقة، فإن الانغلاق داخل منظومة إدراكية واحدة يؤدي إلى تثبيت تمثلات محدودة، قد تتحول إلى معايير إقصائية. في المقابل، يمثل الانفتاح الإدراكي شرطا لإعادة تقييم المعرفة وتحريرها من طابعها المغلق.
تُبرز العلوم المعرفية الحديثة أن الدماغ لا يكتفي بمعالجة المعطيات، بل يعيد بناءها باستمرار في ضوء التوقعات والتجارب (Dehaene, 2014, p. 135)، مما يجعل الحقيقة نفسها سيرورة دينامية وليست معطىً نهائيا.
في هذا الإطار، يغدو التواضع المعرفي موقفا إبستمولوجيا ضروريا، يتيح الاعتراف بحدود الإدراك، والانفتاح على إمكانات معرفية بديلة، بما يسهم في بناء فهم أكثر شمولا وتعقيدا للواقع.
خلاصة
تكشف حكاية "بلد العميان" عن أن ما نعتبره حقيقة ليس انعكاسا مباشرا للعالم، بل نتيجة تفاعل معقد بين الإدراك الفردي والتنظيم الجماعي للمعنى. فحدود الإدراك لا تقيد فقط ما يمكن معرفته، بل تحدد أيضا ما يمكن تصوره بوصفه موجودا.
غير أن هذا القيد ليس نهائيا، إذ يفتح الاختلاف الإدراكي إمكانات لتوسيع الأفق المعرفي وإعادة بناء التمثلات. ومن ثم، فإن الانفتاح على أنماط إدراكية متعددة، والوعي بنسبية المعرفة، يشكلان شرطين أساسيين لتطوير التفكير النقدي وبناء علاقة أكثر مرونة وعمقا مع الواقع.
وفي هذا الأفق، يغدو الاختلاف الإدراكي ليس فقط موضوعا للفهم، بل أداة منهجية لإعادة مساءلة اليقينيات وبناء معرفة أكثر انفتاحا ودينامية.
المراجع
Berthoz, A. (2013). La simplexité. Paris : Odile Jacob.
Changeux, J.-P. (2017). L'homme neuronal (éd. Revue). Paris : Fayard.
Dehaene, S. (2014). Le code de la conscience. Paris : Odile Jacob.
Merleau-Ponty, M. (1945). Phénoménologie de la perception. Paris : Gallimard.
Varela, F. J., Thompson, E., & Rosch, E. (1993). L'inscription corporelle de l'esprit. Paris : Seuil.